الشمال التاريخي
التاريخ الحبشي المسيحي بدأ في القرن الرابع الميلادي عندما تحطَّمت السفينة التي حملت راهبَين من مدينة صور السورية على الشاطئ الذي يقع في الصومال الآن، فبقي الراهبان في الحبشة ونشرا الدين المسيحي بين السكان المحليين حتى تنصَّر ملك الأكسوم، فأمر ببناء الكنائس كما كانت تبنى المعابد قبل وصول المسيحية، ففي المناطق الجبلية المتفرقة نُحتت الكنائس داخل الأحجار، ومن ثَمَّ تطورت تقنية النحت مع مرور الزمن حتى وصلت إلى قمتها في القرن الثالث عشر إذ نُحتت أروع الكنائس في مدينة لاليبلا(Lalibela) تحت حكم الملك لاليبلا، فأصبحت هذه المدينة اليوم أشهر مدينة تاريخية وسياحية ليست في إيثيوبيا فحسب، بل في العالم كله.
في اليوم التالي غادرنا أديس ودخلنا المناطق الجبلية باتجاه لاليبلا، كانت سيارتنا تهتز على الطريق المتعرجة الوعرة، نصفها معبَّد بالأسفلت ونصفها الآخر مازال تراباً، وعانينا فيها كثيراً، لكن تعبي لا يغطي سروري لما أكون في أراضي جبلية بصعودها وهبوطها تتناغم مع شخصيتي تماماً ، إني أتلهف إلى أن أرى أفقاً جديداً بعد كل قمة، ليست مثل الأرض المنبسطة التي أراها من البداية إلى النهاية بنظرة واحدة. وصلنا أخيراً بعد يومين في السيارة وكنا مرهقين، وبالنسبة إلي كان أكثر شيء يؤلمني هو ظهري. ما كان علينا إلا أن نستريح في الفندق ونبدأ باكتشاف الكنائس المشهوة في اليوم التالي.
لم أنم جيداً بسبب القمل التي كانت تلدغني طوال الليل، لكن لا أحد كان يشعر بوجودها إلا أنا، فضحك أصحابي علي لما شكوت لهم منها في الصباح، وقالوا إني أحس بشيء خيالي بين الأرواح المقدسة التي تحوم حولي. لكن اللدغات التي عمت جسمي دلت علي أنني لم أكن أتخيل. خرجنا من الفندق بعد شروق الشمس ومررنا في الطريق بالطلاب الذاهبين إلى المدارس والقساوسة العائدين من صلاتهم في الفجر، والنساء الماشيات وظهورهن منحنية تحت ثقل حاويات الماء.
اشترينا تذاكر الدخول عند مكتب القساوسة بثلاثمائة برّ(العملة الإثيوبية) لكل فرد، وأجبرنا المكتب أن نوظف ديكاناً (طالب في الكنيسة يدرس ليصير قسيساً) ليكون دليلنا بسبعمائة بر. سبعمائة بر أكثر من أجر عامل في الشهر، لكن ماذا كنا نستطيع أن نفعل إلا أن نلبي طلب القساوسة.
ما يميز الكنائس هنا عن مدينة البتراء في الأردن أنها منحوتة من سطح الأرض الصخرية إلى الأسفل بحيث تكون المباني منفصلة عن الأحجار حولها، فلما اقتربنا من الكنيسة الأولى، وصلنا إلى سطحها أولاً، ثم نزلنا إلى بوابتها من ممر ضيق منحوت بين جدار الكنيسة والصخر، عندما كنا واقفين أمام أعمدتها الخارجية الضخمة، سرعان ما سكَّنت روعتُها ألم جرحنا من سلب نقودنا من جيوبنا دون اعتراضنا.
لا أعرف كم سنة بقي العمال ينحتون هذا البناء، فمن علامة الإزميل على الجدران خمَّنت أنها أجيال. انزحنا جانباً عن بوابة الكنيسة للزوار الإيثيوبيين الأرثوذكسيين المتلفعين بأقمشة بيضاء لكي يسجدوا ويقبلوا عتبة البوابة وأحد مصراعيها، بالنسبة إلينا الكنيسة مكان سياحي، لكن للمؤمنين لا يوجد شيء أو مكان أكثر قُداسةً في هذا العالم إلا الكنيسة والقساوسة داخلها. خلعنا أحذيتنا مثل الآخرين وتركنا الشمس وراءنا ودخلنا ظلمة الكنيسة، كنتُ واقفة عند المدخل لدقيقة لكي تعتاد عيناي على الظلام. بدأت تتضح التفاصيل الداخلية شيئا فشيئا، أولاً الجدران الصخرية، ثم النقوش المتواضعة و رسمة يسوع ومريم الملونة الباهتة، ثم القسيس الذي جلس على العرش حاملاً صليباً كبيراً في يده اليمنى، جاهزاً لمقابلة الزوار من المؤمنين والسائحين وبرراتهم. لم يكن ثمة ضوء في الكنيسة إلا عمود الشعاع النحيف الذي تسلل من نافذة صغيرة عالية. كان القسيس يتمتم أمام زوج وزوجة جثوا على ركبهما ثم أمال الصليب ليقبلاه. حينها التقطت صورة فتردد صدى غالق كاميرتي داخل الكنيسة. صاحبي نظر إليّ بشدة وقال بصوت منخفض في أذني :"لا تفسدي اللحظة المقدسة، ستغادر الملائكة بسبب كاميرتك المزعجة." رددت عليه بشدة :" اسكت، منذ متى تؤمن بالملائكة؟ صوت كاميرتي العزيزة هكذا، ماذا أفعل؟" لم أُرِد أن أجذب الانتباه إلي فأرجعت الكاميرا إلى حقيبتي واتَّكأتُ على عمود مستمتعةً بالمنظر دون صور. ولما اقترب صاحبي من القسيس ليدفع الصدقة، أعطيته براً مني. كان يريد صاحبي أن يحشي بران في فتحة الصندق المغلق الذي بجانب القسيس، لكن القسيس غطى الصندق وأشار إليه أن يضع النقود في السلة. وعندما استدرت لأخرج، قال لي القسيس بصوته الغليظ نفسه الذي يقرأ به الإنجيل:" أنت! لا بر؟" قلت له إنني دفعت براً مع بر صاحبي. لم يصدقني القسيس فقلت له أن يعدها، ففعل ذلك وأخيراً اقتنع أني قد دفعت. كنت أتساءل كيف لاحظ هذا وهو كان يبارك الزوج والزوجة بصلاة، وحتى لو لم أدفع، هل الصدقة إجبارية أم طوعية؟ آه، طمع القسيس أكبر من الصليب الذي يحمله.


إلى المهتمة بأمر اللغة العربية ليندا، على الرغم من أنني لم أفهم كل ما كتبته عن العربية ودراستها وقواميسها إلا أنني أظن أنها معلومات غنية ولكنني رأيت الجمع دكاكن تنقصه الياء ليصبح دكاكين، أمّا في ما يخص الجزء العربي في رحلتك فلديّ بعض الملاحظات على الموضوع من ناحية الأخطاء الطباعية، فكثيراً ما نردد عبارة “سقط سهواً” وأرى الآن أنك وقعت بها، فإليك ما رأيت: 1. القرن الميلادي، 2. حيث نحتت لماذا لا تكون إذ نحتت، فحيث ظرف مكان 3. ليست في إثيوبيا، تصبح ليس في إثيوبيا، 4. شددي ميم لما ليفهم القارئ سريعاً المقصود، 5. كنا مهقين، كنا مرهقين، 6.القمل شددي الميم 7. أنزحنا، انزحنا 8.داخلنا، دخلنا 9. صدى غالق كاميرتي، صدى صوت أوضح لغيرالمختصين، 10. قلت له أنني، …. إنني، 11. دفعت بر، ..براً, 12. إجبارية أو طوعية، ….. أم …..،
وشكراً لسِعة صدرك